05 February 2024

شخصية (منال): ملابس شفافة

عشت البارحة تحدي امتد 5 ساعات، وانضاف إليها نصف ساعة صباح اليوم، للتعلم والتجريب ومحاولة الخروج برؤية فنية جذابة.

كان الهدف الاستناد الى الصورة المرفقة لإدخال ملامح شخصيتي الافتراضية (منال) والتغيير عليها للوصول لشيء يدهشني بنفسي.


 


قبل البدء بشرح ما قمت به، هنا الصورة المعيارية للشخصية الافتراضية (منال) التي قمت بتوليدها بالذكاء الصناعي منذ بضعة أيام، والتي أحاول هنا دمجها مع الصورة الكارتونية أعلاه.





العملية كانت صعبة، وفيها تجريب أدوات جديدة. وأصعب ما في الامر أني لم أكن اعرف ما اريد ان اصل إليه.
كنت اريد أن يبقى شيء من اسلوب الصورة الاصلية، وأن ألعب به بإضافة عناصر جديدة.
لكن في بعض الاحيان كان لي رأي، ولأدوات الذكاء الصناعي راي آخر.
كان الذكاء الصناعي يقودني لمناطق مختلفة عن الصورة الضبابية التي كانت في رأسي والتي كنت اريد ان اصل إليها. ولكن بعد فترة، وحين بدأ المنحى الاسلوبي الذي أخذه الذكاء الصناعي يعجبني، قررت ان اتعمق فيه وأعمل عليه تنويعات.

وهنا صور مختارة انتجتها اثناء هذا التدريب.

ملاحظة:
الذكاء الصناعي لديه مشكلة في الكتابة على الصور. بعض الصور عليها كلمات بلا معنى بالانجليزية، وكان الهدف ان تكون عليها كلمة See Through (وتعني: ملابس شفافة). عموما هذه مرحلة لاحقة. سأصلح اخطاء الكتابة بأدوات اخرى لاحقا. يهمني حاليا عرض الستايلات والألوان الفنية التي توصلت إليها وارتطمت بشطآنها خلال هذه الرحلة.

* * *

انطلاقة البداية كانت بوضع وجه منال على الصورة الاصلية، بلا أية إضافات.



ثم بدأت ببعض التجارب على نفس الاسلوب 👇🏻













ثم قادني الذكاء الصناعي إلى آفاق لم أخطط لها، فاقتفيت خطاه، وبدأت انوّع على المتاح، وأجرب عليه 👇🏻














وأخيرا..

اليوم اجريت تجربة إضافية، وأخيرا وصلت لشيء يرضيني ضمن المسار الذي أخذني إليه الذكاء الصناعي 👇🏻







ولكن قد تكون لي عودة، سواء مع هذه الصورة او غيرها، لمزيد من التجريب، ومحاولة الاقتراب من اسلوب الصورة الاصلية والتنويع عليها (بدون الخروج عن لونها الفني خروجا تاما).

وفي كل مرة اجرب فيها تتناقص فترة التجريب وأصل إلى معرفة افضل بالأدوات التي تأخذني للتصور الموجود في ذهني (هذا عندما يكون عندي تصور واضح شيئا ما ولو إلى حد بسيط 🙃).

20 December 2020

الخوف من التطعيم

اليوم الأحد.. أبرز مهامي لهذا اليوم هو إقناع ابنتي بأخذ تطعيم (التيتانوس و الدفتيريا) والذي سيتم في مدرستها بعد سويعات.


مع مطلع العام الدراسي الحالي نقلتُ ابنتي إلى مدرسة جديدة، وقد ابتدأوا الدراسة عن بعد منذ أكثر من 3 أشهر، لكنها لم تر مدرستها لغاية الآن! أول زيارة للمدرسة ستكون اليوم، لأجل التطعيم المقرر –وفقا لخطط وزارة الصحة- لطلاب الصف السادس. أحاول إغراءها بفكرة زيارة المدرسة لأول مرة وأن المدرسة جميلة، وأننا بعد التطعيم سنذهب للغداء بالخارج ونتناول إحدى وجباتها المفضلة التي لم تأكلها منذ أشهر (وجبة دجاج سيزلر.. هذا اللي يطلّع دخان كثيف من الطبق). هل ستنجح هذه الحيلة؟

في طفولتي ومراهقتي، مع بدايات نهضة السبعينيات في بلادنا، كان التطعيم شيئا جديدا وغامضا. كانوا يأتون للقرى ويجمعوننا في الساحات العامة في الأسواق. من هم؟ لم نكن نعرف وقتها سوى أن (الحكومة راسلتنهم). هل هم أطياب أم أخيار لا ندري. لكن ما يقومون به مؤكد أنه شيء شرير. كان التطعيم بدارجة قريتي يسمى (تشمتير)، وهي تسمية استخدِمت في سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن العشرين. الكلمة لوحدها كانت تثير في نفسي الخوف (قبل تعرضي لأول تطعيم). فكنت أتخيل أن التشمتير هو شيء أشبه بتخديش وتجريح عضلة الكتف بأداة تشبه مشطا معدنيا له ثلاثة أسنان. كل ما كنا نعرفه أن (التشمتير) يتم على الكتف. لذا، وعندما كنت في السادس الابتدائي، وكنت تقريبا في عمر ابنتي الحالي، هربت من المدرسة عندما علمنا أن جماعة الحكومة قد أتوا للتشمتير. كان ذلك قبل 36 سنة. لذا فأنا لغاية الآن غير مطعم ضد التيتانوس و الدفتيريا، ولو قررت السفر لإحدى البلدان التي لا يزال ينشط بها هذان المرضان فإنه يتوجب علي أخذ التطعيم قبل السفر بعدة أشهر.

أهو أمر غريب أن يمتد الخوف من التطعيم عبر الأجيال، أم لا يوجد في الأمر ما يثير الاستغراب؟ لست متأكدا حقا. ولكن الذي أتذكره، أن زيارات جماعة الحكومة (ولم يكن بينهم ممرضون عمانيون لندرة الأطباء والممرضين العمانيين في تلك الحقبة)—كانت تلك تجربة مخيفة. سوف يشمتروننا ويخدّشون عضلة أكتافنا ويسيل منها الدم! سويعات وسأرى كيف سيسير الامر مع طفلتي على أرض الواقع هذا اليوم. متمنيا لها أن تحظى بذكرى أفضل من ذكرياتي عن هذا الأمر.

هل من يتذكر تجارب تطعيمه الأولى، لعله يود أن يشاركنا جزءا من هذه الذكريات؟ 

17 October 2019

هل العائلة الكبيرة نعمة أم نقمة؟


الأسرة الجورجية في فيلم (عائلتي السعيدة)


قضيتُ في صيف العام الماضي (2018) عشرين يوما في جورجيا، التي توصف عاصمتها تبليسي بأنها واحدة من أكثر ثلاث عواصم أمانا في العالم. زرت أربع مدن وتعرفت على أشخاص جورجيين رائعين مازلتُ متواصلا مع بعضهم لغاية الآن. الذي لفت نظري في جورجيا، من الناحية الاجتماعية، مقدار الأمان في المدينة رغم تدني مستوى المعيشة. ورغم أنني عشت وسط عائلتين هناك في مدينتين مختلفتين، وتناولت طعام المنازل الجورجي الذي يحضّرونه لأنفسهم، إلا أنني في نهاية المطاف كنت مجرد سائح عابر لم يسبر تماما أغوار المجتمع الذي يعيش فيه. لذا، فكثيرا ما تساءلتُ وأنا هناك: ألا توجد مشاكل في هذا المجتمع الهادئ؟ ما القضايا التي تشغلهم حقا؟ وقد كنت أعرف أن السينما هي خير نافذة سأطل منها على المشهد الجورجي بصورة واضحة وعميقة لو تمكنت من مشاهدة بعض الأفلام السينمائية الجورجية الجيدة.

بعد عام من هذه الزيارة، تسنى لي أن أعرف جورجيا أكثر، وأن أستعيد ذكريات زيارتي لها، وذلك من خلال الفيلم الجورجي (عائلتي السعيدة) الذي شاهدته مؤخرا والذي كان أول فيلم جورجي أشاهده. (عائلتي السعيدة) من تأليف نانا إكفتيميشفيلي وإخراجها بمشاركة سيمون جروب (إنتاج 2017)، وهو موجود لغاية لحظة كتابة هذه الأسطر على شبكة نتفليكس. ترى عن أي شيء سيتحدث فيلم جورجي؟ إنه بالطبع عن العائلة! هذا أول ما فكرت فيه، ففي بلد هادئ وآمن ماذا لدى السينما كي تتعمق فيه، لا شك أنها العائلة. لا بد وأن تكون العائلة محورا رئيسيا في السينما الجورجية، لسبب أساسي، ففي جورجيا لا يزال الناس يعيشون بنمط العائلة الممتدة، حيث لا يزال يسكن البيتَ الجورجي الواحد ثلاثةُ أجيال بل وأحيانا أربعة! ولكن، هل هذا يجعلها عائلة سعيدة أم تعيسة؟



تتمحور قصة فيلم (عائلتي السعيدة) حول الأم "منانا"، في أوائل الخمسينيات من عمرها. نعيش مع "منانا" وعائلتها في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث أول مشهد في الفيلم هو لمنانا تشتري جريدة من نوع صحف الإعلانات المبوبة، في المشهد التالي نجدها تعاين شقة ترغب في استئجارها، فقد آن لها أن تعيش بعيدة قليلا خارج محيط العائلة المتطلب. منذ تلك اللحظة يكون الفيلم نوعا من الفلاشباك الطويل، لنعيش وقائع الحياة اليومية لمنانا في محيط العائلة، لنتعرف على التفاصيل التي قادتها في نهاية المطاف لاختيار خيار العيش بمفردها، ولكن بدون قطيعة مع العائلة، وكذلك بدون الذوبان الكامل الذي تلتغي معه شخصيتك الفردية.

عائلة "منانا" تتكون من ثلاثة أجيال، فهي تعيش مع أمها وأبيها الكبيرين في السن ولكل منهما احتياجاته ومتطلباته. يقيم معهم في البيت زوج "منانا"، وولداها الشابان (فتى عاطل عن العمل، لذا يمضي معظم وقته في البيت، و فتاة يتواجد خطيبها في بيت العائلة معظم الوقت). كل هؤلاء البشر بمقدار ما تحبهم ويحبونك، فإنهم يشكلون أيضا ضغطا هائلا عليك، فأنت تقضي عمرك في تلبية احتياجاتهم وتكاد تنكر نفسك، وحينما يأتي اليوم الذي تبحث فيه عن مساحة شخصية لتتنفس تتكالب عليك العادات والتقاليد متهمة لك بالعقوق. هذا هو جوهر الصراع الداخلي العميق الذي تعيشه "منانا"، والذي نتابعه في الفيلم بأسلوب عرض التفاصيل اليومية الدقيقة لواقع الحياة في بيت عائلة جورجية عادية جدا. جودة هذا الفيلم تأتي من اشتغاله المتقن على التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية الصورة الكبيرة، حيث ننتهي بالسؤال الذي يكاد يكون بلا إجابة: ما العائلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن نعطيها دون أن ننكر ذواتنا؟

02 October 2019

الأيام الأخيرة في اعتصامات الربيع العماني (2011)


هل فشلنا في بناء الإنسان العماني؟*


علّمنا خطابُ الإعلام الرسمي أن الإنسان العماني "هو المحور الذي تدور حوله كافة المحاور"، أيْ محاور التنمية. ومنذ أربعين عاما تسعى الأهداف النظرية المعلنة للنهضة العمانية إلى "رفاه الإنسان الذي هو باني النهضة". وفي كل احتفال رسمي بافتتاح مشروع من المشاريع، نجد خطيبا يتحدث عن "أهمية ذلك المشروع للنهوض للإنسان العماني باعتباره صانع التنمية". اليوم يأتي سؤال الفرز: أين وصل بناء الإنسان العماني؟ وما الذي نفهمه عن مستوى نضج هذا الإنسان من خلال الأحداث التي وقعت بالبلاد مؤخرا -ولازالت مستمرة- من مظاهرات سلمية وغير سلمية؟

يوم السبت من هذا الأسبوع، هاجم معتصمون في ولاية صور مدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم وطردوه من مكتبه، ورفضوا حتى أن يخرج في حماية الشرطة أو الجيش، وقبلها اضطر مدير إدارة حكومية بعبري للقفز حافيا من سور مبنى الإدارة وكأنه لص يلوذ بالفرار، أما شاهد عيان فقد روى لي ما شاهده بعينيه من قيام "معتصمين" بدوار صحار بمطالبة السيارات المارة بدفع أتاوة قدرها 20 ريالا إذا كانوا يرغبون في المرور بسياراتهم من الدوار، وفي صحار نفسها كان هناك ملثمون يطوفون بسياراتهم يؤججون الناس داعين إياهم إلى "حرق عُمان"، مؤكدين أن هذه فرصة لن تتكرر ليقوموا بذلك! وإضافة لكل هذه الحوادث، فهناك إحراق لولو صحار وإدارة إسكان عبري وتعطيل العمل في ميناء صحار وحجز شاحنات في دوار ضنك تمهيدا لحرقها، والأحداث لا تتوقف عند هذا، ففي كل يوم هناك من يعطل حركة المرور باسم الاعتصامات والإضرابات العمالية، فما الذي يمكن أن نصف به مثل هذه السلوكيات؟
حسنا، تلك ليست الصورة الكاملة، فهناك معتصمون مسالمون، وإنْ لم يكونوا مسالمين تماما! ففي اعتصام مجلس الشورى تكررت أكثر من مرة حوادث مهاجمة معتصمين متشددين دينيا لآخرين يخالفونهم الرأي، ومع ذلك لم يقع للآن تخريب مادي كبير (هذا إذا تجاهلنا التخريب الفكري الحاصل حاليا أمام مجلس الشورى بقيام المتشددين دينيا بغسل أدمغة المعتصمين وتحويلهم إلى أشباه طالبانيين). وبعيدا عن الاعتصامات السلمية، أو قريبا منها لا فرق، توجد "مظاهرات" إلكترونية على شبكة الإنترنت تنادي بمطالب لا أول لها ولا آخر، بداية من إسقاط الديون ومرورا بما لا حصر له من المطالب الشخصية الفردية، وصولا إلى تصفية الحسابات بين الفئات المختلفة، كقيام البعض بشن حملة استعداء ضد جماعة الدستور التعاقدي واصفين إياهم بالخونة، أو قيام السلفيين بتكفير كل من يخالفهم الرأي ودعوتهم، مثالا لا حصرا، إلى قطع لسان الناشطة الحقوقية حبيبة الهنائي! إنه بدون شك موسم تشويه السُمَع وتصفية الحسابات بلا ضمير أو رادع، وقد تهيأت لذلك منتديات إلكترونية تخصصت في إزكاء روح الكراهية وانتفت عنها أية صفة إشرافية لضبط "حوار" الأعضاء بما لا يتجاوز حدود آداب الحوار. إنها منتدياتٌ آن للمواطنين أن يتقدموا ببلاغات للإدعاء العام لإغلاقها بوصفها "محل جريمة" لأنه لم يسلم أحد من تشويه السمعة فيها.

بين المتنورين الليبراليين من صفوة مثقفي هذا البلد، وبين جماعات الإسلام السياسي السلفية، توجد شريحة عريضة هم غالبية أبناء عمان، هم البشر العاديون، أيْ: عموم الناس. ما مطالب هؤلاء، أو بالأدق، ما مواقفهم مما يجري؟ البعض اختار الصمت وعدم المشاركة، ولكن بالطبع لديه موقفه الخاص في صميم ذاته مما يحدث، لكن قِسما كبيرا من عموم الناس لهم مطلب كبير هو زيادة الرواتب، وعدد أقل من هؤلاء يضيف مطلبا ثانيا هو تكفّل الحكومة بسداد ديونهم. فئة أخرى من "الأغلبية الصامتة" قد وصلوا الآن فعليا إلى مرحلة "القرف" من كل هذه الاعتصامات لأنهم يرون أنها "أصبحت موضة وقد زادت عن حدها كثيرا"، والبعض الآخر بات يشعر بالقلق من زيادة حجم المطالب اللامنطقية والتعجيزية لكثير من الناس وكأنهم يريدون أن تُصب في جيوبهم آلاف الريالات شهريا وهم نائمون في بيوتهم لا يفعلون شيئا!

في عُمان فسيفساء متنوعة ينضوي تحت جناحها المزركش المعتصمون وغير المعتصمين من الناس، فهناك أصحاب المطالب السياسية الرفيعة من دعاة الديموقراطية الحقة مثلما هناك سواد الناس ممن لم يسعوا لأكثر من إسقاط "مكي و مقبول" وزيادة الرواتب، وهناك بالطبع جماعات الإسلام السياسي بأجندتهم المعروفة. وبعد مرور ثلاثة أسابيع على الاعتصامات فإن المزعج في خارطة هذه الفسيفساء هو زيادة شريحة رقعة محددة من الناس، هي شريحة الإتكاليين والكسالى والابتزازيين. كل يوم تتولد لدى الناس مطالب جديدة تشترك جميعها بدعوتها إلى المطالبة برفاه مادي مفرط دون أن يجني المرء ذلك بعرق جبينه! هي مطالبات من قَبيل أن تكون خدمة الماء والكهرباء مجانية، أو أن يحصل فاشل راسب في الثانوية العامة على 300 ريال شهريا وهو نائم في بيته طوال النهار، أو أن يصبح الجميع فجأة مدراء فلا يقوم أحد بالأعمال اليدوية، أو أن تزوّج الحكومةُ الناسَ وتدفع مهورهم، أو أن يداوم المعلمون نصف نهار فقط وليذهب التعليم إلى الجحيم!

رقعة هذه المطالبات الإتكالية الأنانية تتسع، وأصفها بذلك لأنها لا تراعي الواقع ولا ترى أبعد من المصلحة الشخصية. تتسع هذه النوعية من المطالبات لدى عموم الناس الذين كانوا قبل ثلاثة أسابيع يريدون فقط تحسنا معقولا في مستويات معيشتهم، واليوم تريد فئة منهم النوم في البيوت وتتكفل الحكومة بإطعامهم الطعام في أفواههم بملاعق من ذهب! إنهم يأخذون مطالبهم الغريبة هذه بجدية، ويسعون لممارسة ابتزاز على الحكومة ومؤسسات عملهم لتلبي مطالبهم عبر قطع الطرق والانخراط في اضرابات تشل حركة الإنتاج كما تشل حركة الشوارع. إن أقل ما يقال عن هؤلاء هو أنهم اتكاليون عديمو الجدوى، وأنهم أنانيون، ينضحون جهلا مريعا يدلل على عدم نضج أية رؤية واقعية لديهم، وهؤلاء لسوء الحظ كثيرون، وهم الذين يتسيدون مشهد الاعتصامات والإضرابات العمالية في عُمان اليوم.

هل نقول إذن أننا فشلنا في بناء الإنسان العماني، بمعنى بناء إنسان مثقف يمتلك حسا عاليا بالمسؤولية الاجتماعية ولديه وعي سياسي ووطني يمكّنه من الرؤية أبعد من سقف مطالبه الشخصية الإتكالية والنفعية؟ صحيح أنه ليس جميع أبناء عمان هم من هذه الفئة، فكما أشرنا فإن هناك فئات أخرى من المتنورين وعامة الناس يطالبون فقط بتحسين أوضاعهم المعيشية، ولكنه صحيح أيضا أن نسبة أصحاب المطالبات الاتكالية الأنانية هم في ازدياد، كما أن سلوكهم الابتزازي آخذ في التعاظم. إذن، ألم ننجح في بناء الإنسان "النافع لوطنه ومجتمعه"، أي الإنسان المنتِج الذي يحب العمل ويعشق التحدي، وكل ما حصدناه بدلا عن ذلك هو مواطنون يرغبون في الكسل وقطف الملذات دونما عمل؟ لو صح ذلك، إذن من سيبني عمان؟ وماذا كنا نفعل طوال الأربعين عاما الماضية؟

ثمة جرس إنذار يُقرع الآن حول مسألة بناء الإنسان العماني، جرس يقول أننا نحتاج إلى إعادة البناء، وأن نستثمر أكثر في الأجيال الصاعدة. نستثمر في تعليم وإعلام وتوعية حقيقية -وليست شعارات طنانة جوفاء- تسعى لبناء إنسان أكثر تحليا بالمسؤولية، وأكثر حبا للعلم والعمل، وأعمق تطلعا للبناء والابتكار، بعيدا عن ذهنية الأخذ فقط دون إعطاء شيء في المقابل.

*كتبت في 10 إبريل 2011، و نُشِرت آنذاك في صحيفة الرؤية العمانية.


23 June 2019

صعود أنماط الحياة البديلة


صعود أنماط الحياة البديلة*


قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبوظبي" التي يشاهدها اليوم الآلاف في ربوع الوطن العربي، نموذج ممتاز لواحدة من الممارسات الاجتماعية/الثقافية الحديثة المرتبطة بما أود تسميته بـ "صعود أنماط الحياة البديلة". "الحياة البديلة"، في السياق الذي أتحدث عنه، هي حياة مرتبطة ببروز أنماط من التفكير والممارسات كانت قبل نحو أربعين عاما أو أقل تعتبر شاذة وغير مفكَّر بها. من أنماط الحياة البديلة الصاعدة حول العالم اتساع رقعة الممارسات الفردية المرتبطة بالحفاظ على البيئة والدالة على انتشار الوعي البيئي، والاهتمام بصحة الفرد والتغذية السليمة المتوازنة، وانتشار الزراعة العضوية، وتجرؤ العقلانيين والعلمانيين والتنويريين على الظهور علنا –ولو في تجمعات صغيرة محدودة- في مجتمعات تنخرها الخرافة من الوريد إلى الوريد. إنه لأمر عظيم دون شك أن يتجه المزيد من الناس إلى مثل هذه الأنماط الحياتية البديلة، الجديدة في مرجعياتها الثقافية، وهي مرجعيات مختلفة تميزها عن مرجعيات جيل الآباء والأجداد. إنها لعلامة على بلوغ الحضارة البشرية مراتب راقية تعتمد أكثر على العقل والمنطق والتفكير السببي، وتتسم بحس عال بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الأخوّة الإنسانية وتجاه البيئة من حولنا وإزاء قضايا المحيط الحيوي لكوكب الأرض برمته. صحيح أن البدانة في ازدياد، لكن الأطعمة العضوية والوعي بأساسيات التغذية السليمة هو الآخر في ازدياد. صحيح أن هناك قتلة عميان بأسماء مختلف الأديان، لكن هناك دعاة سلام إنسانيو النزعة لا ينطلق نزوعهم الإنساني الخَيِّر من محدودية دين بعينه. صحيح أن وتيرة قطع الغابات في ازدياد، لكن أعداد الخَضر ومعانقي الأشجار هي أيضا في ازدياد.

كثير من الأشياء كانت قبل أربعين عاما أو أقل سلوكيات معزولة يتجاسر على ممارستها قلة بسيطة من الناس، إلا أنها آخذة الآن في الانتشار على نطاق واسع، في تبدل واضح لمعايير الكثير من الأشياء. صعود العلوم هو السبب وراء صعود أنماط الحياة البديلة، فعندما بتنا نعرف المزيد عن أنفسنا والمحيط الحيوي من حولنا، صرنا أكثر دراية بقربنا وعلاقتنا المشتركة ببقية مخلوقات الأرض من أجناس مختلفة من البشر وحيوانات ونباتات وغيرها، ولذا زاد حسنا الإنساني بالمسؤولية إزاءها. حتى بعض المؤسسات الدينية قد اضطرت لتغيير مواقفها المتزمتة من قضايا معينة لأنها أدركت أن صعود أنماط الحياة البديلة ستعزل الناس عنها، فها هي الكنيسة الكاثوليكية، ومن مقر أعلى سُلطة فيها، تعلن أن نظرية النشوء والارتقاء لتشارلز داروِن لم تكن يوما متعارضة مع أفكار الكنيسة! إنه صعود العلم الذي يترك الآخرين معزولين إذا لم يأخذوا بأصول التفكير السببي في فهم الحياة والتعامل معها. المفارقة المضحكة، أن شعراء "الحداثة" العربية هم الوحيدون الباقون لغاية الآن بعيدين عن أي تأثر بأنماط الحياة البديلة التي تسود العالم من حولهم، فلا هم يعرفون شيئا عن البيئة أو يحسون بشئ من قضاياها (وقد كفوا عن التغزل بالفراشات والزهور لأن ذلك لا يليق إلا بالشعراء التقليديين)! كما أنهم هم الوحيدون الذين لم يسمعوا بعد بالأغذية العضوية، ولم يقرأوا لريتشارد دوكينز، ويجهلون تماما من يكون ديفيد أتنبوروج!

التغير آخذ في التسارع نحو أنماط الحياة البديلة على مستوى القاعدة الشعبية من الناس، لكن القوى التقليدية (الدينية والاقتصادية والسياسية، على نحو أخص) ما زالت تمسك بزمام الأمور حول العالم. إنهم رجال سياسة متدينون، أمثال جورج بوش، مَن يشنون الحروب حول العالم. إنهم رجال دين مَن يقفون ضد استخدام المناظير الفلكية لمشاهدة هلال رمضان والعيدين. إنهم أصحاب مصانع برجر ونقانق مَن يستمرؤون إنتاج الأغذية المسببة للبدانة والأمراض. لكن هناك قاعدة عريضة تتنامى ممن رموا البرجر في سلة المهملات مرة وإلى الأبد وتذوقوا لذة حبوب فول الصويا العضوية، مثلما قفز بعضهم عن الجرافة وعانق شجرة، أو ترك معتقدا عتيقا باليا كي لا يصير محدودا بجماعة أو عقيدة أو طائفة، لأنه اختار أن تكون الإنسانية جمعاء عائلته الكبيرة. هناك من هجروا أفلام جيمس بوند إلى وثائقيات الـ (بي بي سي) عن الطبيعة، ومن رموا الريموت كونترول وكفوا عن تقليب الفضائيات وخرجوا للتنزه سويعة في الجوار ليتعرفوا - ربما لأول مرة- على تفاصيل الحي الذي يسكنون فيه!.

لو كانت قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبو ظبي" قد ظهرت قبل عشرين عاما لما كان شاهدها سوى قلة محدودة للغاية من الناس، لكن عدد من يستنيرون اليوم ببرامجها التثقيفية الراقية هم مجموعة غير بسيطة مولعون بها. إنه صعود العلم والتفكير السببي ونجاح التكنولوجيا في تقريب الشعوب وتبادل وجهات النظر المختلفة هو ما جعل التربة مهيأة لتنمو وتورق أنماط الحياة البديلة وتكتسب قاعدة شعبية متنامية حول العالم. سيبقى الأشرار هناك دوما يعيثون في الأرض فسادا، ولكن سيولد في كل يوم عدد أكبر -عمن ولدوا في اليوم السابق- ممن يكرهون الحروب ويقفون ضد قمع الأفكار وتدمير البلدان، ليجعلوا من هذا العالم مكانا أفضل للعيش.

*كتبت في 18 سبتمبر 2011 ونشرت آنذاك في جريدة الرؤية العمانية.

10 June 2018

في وداع الخطاط الراحل عزت عبدالحميد


وداعا عزت عبدالحميد




بلغني بالأمس نبأ وفاة الصديق وزميل العمل عزت عبدالحميد، الذي عاش في السلطنة حوالي 35 عاما، وقد عمل لثلاثة عقود بوزارة التربية والتعليم بوظيفة خطاط. توفي الراحل في جمهورية مصر العربية، وكان قد أحيل للتقاعد من وزارة التربية والتعليم قبل سنوات بسيطة، لكنه أكمل العمل مع الوزارة بعقد سنوي تم تجديده مرتين وربما ثلاثا قبل أن يغادر لمصر قبل سنوات قليلة فقط. الرحمة لذكرى إنسان عزيز قضى أكثر من نصف حياته في بلادنا وأحبها وأنتج فيها، وفيها تعيش عائلته لغاية اليوم، والتعازي لجميع أفراد عائلته—صبّرهم الله على فقده.

كانت وظيفة خطاط مهمة جدا في العقود الماضية وذلك قبل أن تحتل الكمبيوترات مهمة تصميم الخطوط. كتب الراحل عزت عبدالحميد عناوين كافة أغلفة الكتب الدراسية التي أصدرتها وزارة التربية والتعليم في الثمانينيات وجزء من التسعينيات من القرن الماضي، وظهر خطه وتوقيعه (عزت) على منشورات أخرى للوزارة. كما تعاونت معه العديد من المطابع في تصميم أغلفة كتبها. إضافة لذلك فقد خطّ الراحل اللوحات الرئيسية الكبيرة الموجودة على كافة أروقة المبنى القديم لوزارة التربية والتعليم. فضلا عن ذلك فقد تعاون عزت عبدالحميد مع تليفزيون سلطنة عمان لأكثر من 15 سنة في كتابة الخطوط لأسماء الممثلين وطاقم العمل في مختلف البرامج التي قدمها التليفزيون في الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات (عندما كانت تترات البرامج تُكتب بخط اليد)، نجد ذلك في برامج المنوعات والأغاني الوطنية والعاطفية والمسلسلات والفوازير وغيرها. إنها لمفارقة أن الليلة التي سبقت وصول نبأ وفاة المرحوم كنتُ أتابع فيها في يوتيوب ولفترة تزيد عن 90 دقيقة عددا من الأغاني الوطنية العمانية القديمة التي صورها وبثها تليفزيون السلطنة في الثمانينيات، وكان اسم عزت وتوقيعه موجودا تقريبا في كل واحدة منها. كنت أقول في نفسي، لم أر عزت منذ ثلاث سنوات؟ كيف هو الآن؟ هل غادر السلطنة مؤخرا بعد أن تقاعد من وزارة التربية منذ بضع سنوات؟

كان عزت عبدالحميد إنسانا بشوشا مرحا. يدخل مكاتبنا فيملأها بهجة. في السنوات التي عملنا فيها معا كانت مهمة الخطاط قد تغيرت عند دخول الكمبيوتر في هذا المجال. وقد تغيرت طبيعة عمل عزت وفقا لذلك. صار دوره الرئيسي هو الإشراف الفني على مطبوعات وزارة التربية والتعليم وإصداراتها الإعلامية -وليس الكتب الدراسية- ومتابعة ذلك مع المطابع. مجلة مثل (رسالة التربية) التي ما زالت تصدرها وزارة التربية والتعليم لم يكن لها أن تظهر للوجود لولا جهود الراحل في إصدار أعدادها الأولى. وقد ارتبط الراحل بصداقات مع الكثير من المسؤولين في وزارة التربية وخارجها، ممن كانوا موظفين عاديين وقت بدء عمل الراحل في السلطنة وتقلدوا بعدها مناصب عليا في الدولة، وقد جمعته على نحو جيد علاقة عمل وطيدة وزمالة جيدة بكل من معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري (الوزير السابق للتربية والتعليم وشؤون الشباب) ومعالي السيد سعود بن إبراهيم البوسعيدي (الوزير السابق لوزارة التربية والتعليم)، وأنا أثق أن من عملوا مع عزت عبدالحميد سيذكرونه دائما بكل خير.

من ضمن الأشياء الطريفة التي تعلمتها من الراحل جملة حفظتها ولكني للأسف نادرا ما طبقتها، وهي أنه "فيه حاجات ما تجيش إلا بالخِناق"، أي لا تصمت عندما يكون الحق إلى جانبك. بل فليعلُ صوتك حتى لا يأكل حقك أحد. لكن هذه الجملة بالذات لم تنفع الراحل بشأن الحصول على الجنسية العمانية.

المؤسف بشأن الراحل هو أنه رغم أنه عاش في بلادنا أكثر من 3 عقود من الزمن، إلا أنه حتى وفاته لم يحصل على الجنسية العمانية التي كان يرغب فيها، والتي أرى أنها من حق إنسان عاش في هذا البلد وأحبها واحترم قوانينها وأعطاها ما يستطيع من جهد وعرق. يَشترِط قانون الجنسية على (العامل الوافد) أن يكمل 20 سنة عمل في بلادنا قبل أن يتقدم بطلب الحصول على الجنسية، مقرونا بإجادة اللغة العربية تحدثا وكتابة، وشريطة ألا يكون قد غادر البلد أكثر من 60 يوما متصلة أو منفصلة في سنة من تلك السنوات. وهنا هو الأمر الذي أفسد على الراحل حصوله على الجنسية، فجاءه التقاعد على المعاش من وزارة التربية والتعليم لبلوغه سن الستين قبل أن ينال مراده. كان عزت عبدالحميد يحصل على إجازة سنويا تبلغ 60 يوما بالضبط في السنة يغادر فيها إلى مصر. لم يكن يريد أن يتخطى شرط الحصول على الجنسية.  وفي إحدى السنوات وقد كان الراحل قد أقام أكثر من 15 سنة في البلد أراد الذهاب للعمرة مدة أسبوع واحد، وذهب للتأكد هل يتعارض ذلك مع شرط عدم السفر لأكثر من 60 يوما لسنة واحدة، فتم إخباره بأن الحج والعمرة هما استثناء، فذهب للعمرة مطمئنا، وكانت تلك أول مرة يغيب فيها خارج السلطنة أكثر من 60 يوما (متصلة أو منفصلة) في عام واحد. بعد إكماله 20 سنة في البلد ذهب لوزارة الداخلية ليقدم طلب الحصول على الجنسية العمانية، وعند مراجعة أوراقه تبين أنه قد غادر البلد قبل حوالي 5 سنوات لمدة تزيد بأسبوع عن الستين يوما المفروضة. كان ذلك هو الأسبوع الذي ذهب فيه لأداء العمرة. هنا أخبروه أنه خالف القوانين وأنه عليه أن يبدأ بِعَدّ 20 سنة أخرى بداية من السنة التي تلت ذهابه للعمرة. يعني أن الـ 15 سنة الأولى قبل الذهاب للعمرة غير محسوبة وقد ضاعت سدى! ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن الرجل الذي قضى أكثر من 30 سنة من حياته في بلادنا قد وصل للتقاعد وغادر البلاد دون جنسية عمانية، فيما لا يزال أولاده الذين ولدوا في السلطنة يعيشون هنا ويعملون في مؤسسات خاصة تحت كفالة مواطن، وبعضهم قد تجاوز هو الآخر سن الثلاثين. فهل سيتكرر معهم قدر أبيهم بسبب صرامة القانون وعبثيته؟

إذا كان هناك درس مستفاد من رحيل الزميل عزت عبدالحميد عن بلادنا فهو الدعوة لمراجعة قانون التجنيس لغير العمانيين، بالأخص العرب، ومراعاة الظروف الإنسانية. إن 20 سنة هي فترة طويلة للغاية حتى يحصل فيها المرء على الجنسية. بل إن الأمر ليس كذلك، فمقدم طلب الجنسية لن يحصل عليها تلقائيا لأنه أتم العشرين عاما، بل هناك فترة انتظار بعد تقديم الطلب تمتد في المتوسط بين 10 إلى 15 سنة! متى يحصل الإنسان على الجنسية العمانية، هل بعد وفاته؟ والأمر ينطبق على زوجات المواطنين، إذ جرى مؤخرا تعديل صعّب شروط حصول زوجة المواطن على الجنسية العمانية، وصار عليها إكمال 10 سنوات زواج لا تغادر فيها البلد في أية سنة من السنوات أكثر من 60 يوما متصلة أو منفصلة. فماذا كان يضر لو أبقوا على القانون القديم الذي كان يتيح لزوجة المواطن التقدم بطلب الجنسية بعد 5 سنوات من الزواج؟

يبدو أنك كنت محقا عزيزي عزت في قولك "فيه حاجات ما تجيش إلا بالخِناق"، ولكن لماذا لا يكتفون بالمنطق بدلا عن الخناق؟


*كُتبت في 10/6/2018


18 March 2018

عن الهيبّي الموؤود بداخلي


شتاء الأحلام*


ثمة أشياء كثيرة تُروى باعتبارها ممارسات شائعة، ولأن بعضها لم أتعرض له في طفولتي فإنني بالكاد أستطيع تصديق أنها موجودة. مثالا لا حصرا، فإن قيام الجدات بحكي قصص للأحفاد أمر هو بمثابة ممارسة عامة شائعة في كثير من بلاد العالم، بل وحسب علمي (الحديث نسبيا) فإن الجدات العمانيات فعلن ويفعلن نفس الشيء. ولأنني شخصيا لم أسمع أية حكاية من جدتي، فهي لم تروِ شيئا لي أو لأي من إخوتي وأخواتي، فإنني بالكاد أصدق أن الجدات العمانيات يحكين حقا حكايا للصغار! ولأن جدتي لا تبدو مختلفة عن أية جدة أخرى، وعليه فإنه إذا كان صحيحا أن الجدات يروين قصصا للأحفاد فإنها لابد أن تكون قد روتْ شيئا. لكنها لم تفعل، وهذا يجعلني عاطفيا متقبلا أكثر لفكرة أن الجدات العمانيات لا يحكين قصصا للصغار، وحدهن فقط الجدات في الرسوم المتحركة من يفعل ذلك! هذا ما تقوله عاطفتي، رغم أني أدرك عقليا أن الأمر مختلف عن ذلك للبعض. إنه لصحيحٌ أنّ ما نتعلمه في طفولتنا ليس من السهل أن تغيره فينا المعرفة العقلية عندما نكبر. نعم، هذا صحيح!

نموذج آخر للأشياء التي تروى كممارسات شائعة: أن كل طفل لديه حلم يرغب في تحقيقه عندما يكبر. شخصيا، لا أتذكر أنني حلمتُ بأن أصبح شيئا، لا طبيبا ولا شرطيا ولا أي شيء آخر، وأتساءل حقا إذا ما كان الأطفال لديهم صدقا أحلام من هذا القبيل، أم هُمُ الكبارُ وحدهم يجبرونهم على إدعاء الحلم حين يحاصرونهم بالأسئلة الملحة عما يودون أن يكونوا عليه عندما يكبرون. الأمر الغريب أنني ربما إلى الآن لا أحلم بأن أكون شيئا معينا، على الأقل، لا أريد أن أكون "وظيفة". لا أرغب في أي شيء من ذاك. ربما يراودني خلسة حلم بأن أرى نفسي مخرجا سينمائيا، لكنه شيء أشبه بطيف هائم لا أكثر. الطريف في الأمر، أنني لم أخلُ تماما من حُلمِ أن أكون شيئا. ففي مراهقتي، وليس طفولتي، حين كنتُ أعيش في قريتي الصغيرة، ثمة صورة أسرتني وحلمتُ بها. أن أكون بوهيميا متسكعا، أو بألفاظ أعرفها اليوم وما كنتُ قد سمعت بها آنذاك، هي أن أعيش حياة الهيبيين (بتصور خاص بهذه الحياة جاء من عندياتي). كنت أرى نفسي ببنطال جينز أزرق ممزق ورث، وشعر أشعث، وأنا أعيش منطرحا تحت الجسور في مدينة كبيرة. لا مسؤوليات لديّ، ولا علاقة لي بأية ضوابط وتقاليد وأعراف!

كان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي، ولا شك أن تلك الصورة المستقبلية المتخيلة لنفسي قد استقيتها من نوعية الأفلام السينمائية التي كانت تعرض في التليفزيون المحلي، لكن ذلك لوحده لا يبرر لماذا تمثلتُ نفسي في صورة الهيبيّ أو البوهيميّ، فالمرء يشاهد أشياء كثيرة على الشاشة ويتأثر بالقليل منها، والتأثر بصورة البوهيمي لِمراهقٍ في قرية بسيطة هو –في ظني- حدث غير مألوف. إذ كيف كنتُ أحلم أن أرى نفسي تاركا الدنيا لشأنها وأعيش زاهدا تحت جسور السيارات ببنطال جينز رث، كيف يحدث ذلك ولم أكن أرى أحدا يرتدي الجينز في قريتي سوى المدرسين العرب بمدرستي؟! على أية حال فهذا السؤال لا يشغلني كثيرا، بل لعل ما يشغلني/يروقني أكثر منه أن هذه "اللوحة" التي كنتُ أرى فيها نفسي لم تمتحِ تماما بعد، بل لازالت موجودة بصورة من الصور، هي صورة الحنين إلى زمن لم أعشه. ثمة حنين خاص يأخذني إلى الستينيات والسبعينيات، حين كان الهيبيون ظاهرة حقيقية، والبوهيمية طاقة تحرك الأفراد لنبذ قيود الحياة الصارمة والسعي لحرية أكبر حتى لو كانت مفاتيحها المخدرات والمشاعية الجنسية. حين أقول أني أتمتع بحنين لزمن الهيبيين، فهو نوع من الحنين المتخيل، أو ربما التوق، إلى تجربة لم أعشها شخصيا، فأنا أصغر عمرا من أن أكون قد عشت في زمن أُدركتُ فيه عقليا أنه كان زمن الهيبيين، وقد كنتُ أبعد جغرافيّا عن مدن العالم الكبيرة العاجة بالثوار على الأعراف القديمة إبان ذروة حركة نصرة المرأة وصعود المثليين الجنسيين ومظاهرات الطلاب حول العالم وأغاني البيتلز وجون لينون. كان ذلك يحدث في مكان آخر، وكنت أصغر من أن أدركه. إلا أن سحر هذه الأيام الخوالي لا يزال يعيد إليّ الحلم الوحيد –إن جاز التعبير- أو الصورة الوحيدة التي رأيتُ أو حلمتُ فيها بمستقبلي عندما كنتُ مراهقا: صورة الشاب الحر المنفلت من قيود المجتمع والذي يعيش حياته بهيئةٍ رافضةٍ لما هو مفروض عليه من قيود في الملبس والعادات وغيرها. شاب بقميص جينز رث وممزق يهيم تحت الجسور في مدينة كبيرة تاركا البنايات الشاهقة خلف ظهره.



لا توجد أفلام سينمائية أكثر تغذية لمخيلتي وإسالة لعاب اندماجي بها من الأفلام التي تتناول عالم الهيبيين والبوهيميين، لا سيما إنْ انطوت المعالَجة على شيء من النوستالجيا، ومن هذه الأفلام يأتي في المقدمة الفيلم الأسترالي "شتاء أحلامنا" للمخرج جون ديوجان. فرغم أن الفيلم قد رأى النور عام 1981، إلا أن أوائل الثمانينات كانت هي آخر مراحل الظاهرة الهيبيّة، فضلا عن أن الفيلم بنفسه عبارة عن تجربةِ حنينٍ تستوطن روحَ بطلِ الفيلم لحياته الحرة الطليقة في أواخر الستينيات. إنه فيلمٌ حنينيّ عن موضوعٍ هو –بالنسبة لي- الحنينُ ذاته، ولذا فليس غريبا أن أتوق إلى إعادة مشاهدته بين الفترة والأخرى، حيث لم يبق لنا شيء سوى شتاء الأحلام الجميلة نسترخي فيه مع ذكرياتنا وخيالاتنا التي ستبقى دوما أدفأ الأحلام وأعذبها.

*كُتبت المقالة بتاريخ 18 ديسمبر 2010. ونُشرت آنذاك في صحيفة (الرؤية) العمانية

20 February 2018

هل هذا النص متفائل بما يكفي؟

هل هذا النص متفائل بما يكفي؟



أريد أن أكتب شيئا متفائلا. شيئا جميلا. شيئا بإمكانه ان يبهج القارئ ويعطيه أملا في الحياة. وإذا كانت جملة (أمل في الحياة) هي مطلب كبير لِمَا يمكن لمنشور في الفيسبوك أو في مدونة أن يحققه، فإنني آمل على الأقل أن تمنحه كتابتي ابتسامة، أو بعضَ الطمأنينة الروحية حتى لو دام ذلك للحظات فقط.
أريد حقا أن أقول شيئا متفائلا، إيجابيا، مَرِحا إذا أمكن. لكن عن أي شيء سأتحدث؟ وكيف لفاقد الشيء ان يعطيه؟

العمر يتآكل، والصحة تتدهور -شاملا البصر ووظائف بقية الأعضاء المتأثرة بعدم القدرة على التحكم في مرض السكري-، والوضع المادي السيئ يتأزم، والمتعة تغيب عن كل فعل يمكن إتيانه.

الصداقات محبِطة، وجلسات أحاديث الليل شديدة الإضجار، وكان بإمكاني أن أفضَل عليها الإنشغال بهاتفي وتطبيقاته، لولا أن النت مكّلفة جدا، والجيجابايتات تنقرض بسرعة كبيرة. حتى الشراب الذي فيه بعض السلوى، فهو ينعشك من جانب وينخر بدنك من جانب آخر، ومن جانب ثالث فهو يثقب المحفظة. تبا!

القرض البنكي لا يبدو أنه سينتهي، والتأجيلات في الأعياد -التي لا يمكن الاستغناء عنها- تُضاعِف فترة السداد، وتطيل أمد العذاب والعَوَز المادي، وتؤجل مشروع التقاعد إلى أجل غير مسمى.

المغامرات العاطفية فشلت جميعها، كلها بسبب التربية الصارمة والخجل الشخصي اللذين تضافرا فأنتجا فردا مترددا، بل جبانا.

والسينما؟ السينما العظيمة موجودة. نعم ما تزال موجودة. لكن المرء لا يبدو أنه بات يمتلك الجَلَد الكافي للتعاطي مع فيلم لا يكشف أسراره للروح إلا ببطء وأناة. البصيرة والذائقة تلوثتا بقمامة هوليوود، التي تجعل سرعةُ إيقاعِ أفلامها الأمرَ سهلا على شخص مجهد لا يريد شيئا سوى أن يمضي الليل بسرعة وأن يقترب النوم.

حتى عروض دار الأوبرا السلطانية التي كانت سلوى عظيمة وكشفا روحيا أبهجني وأنعشني في السنوات الخمس الماضية، حتى هذه صارت بمنأى لأن الرغيف أولى من شراء تذكرة لعرضٍ فنيّ. حينما يكون الرغيف هو هم الإنسان الوحيد -بسبب بؤسه المادي-، فإن الشغف بالفنون يتراجع إلى ذيل القائمة.

ومع ذلك، فالمرء لا يزال تصله أربع جرائد محلية مجانية على طاولة مكتبه كل صباح. إنني شغوف بتصفح الجرائد، رغم أني أقرأ العناوين فقط، فليس لدي من الصبر ما أحتمل به قراءة التقارير الصحفية الطويلة. جرائد ورقية مجانية في المكتب، حسنا، هذا جيد لشخص لم يستطع أن يحب قراءة الصحف على جهاز إلكتروني. هذه من نِعَم الحياة الصغيرة. أليس كذلك؟

المرء أيضا قد نجا من حادث سير كبير وانكتب له عمر آخر. كل من رأى صور سيارتي بعد الحادث لا يزال مندهشا كيف خرجتُ منه حيا بالحد الأدنى من الإصابات. أنا ممتن لذلك حقا، ولكني في نفس الوقت ما زلت أعاني آثار الإصابات، مثل تيبس مفصل الكتف وآلامه وعجز اليد اليمنى عن أداء كافة وظائفها الاعتيادية، وكذلك تورم كاحل الرِجل اليمنى في موضع العملية، وهو التورم الذي يقول الطبيب أنه وارد وعادي أن يظهر ويختفي ثم يظهر مجددا في الستة الأشهر الأولى بعد الجراحة. إذن ما يزال لدي شهران ونصف أتصبر فيهما على تحمل هذا التورم. حسنا، طالما لم أصب بشيء فادح في الرأس أو الأحشاء نتيجة الحادث، فما زلت أقول بقناعة أن كل هذا بسيط وهيّن.

السفر يبدو مستحيلا، حتى إلى دولة قريبة وعزيزة على نفسي مثل البحرين. إنه صعب حاليا لوضعي الصحي، وصعب دوما لوضعي المالي. لكن السفر نفسه لم يعد يبهجني كثيرا كما كان الأمر في عشرينيات عمري. صرت بحاجة لرفيق للسفر، ولكن بالكاد لي رفاق وأنا قارٌّ في مكاني، فكيف أثناء السفر؟! لا الاستقرار يبهجني ولا السفر، فماذا أنا فاعل بنفسي يا إله العرش؟!

حسنا.. أعرف ما هو الحل. عليّ أن أملأ حياتي ببعض الأكشن. بعض الأفعال والأنشطة. عليّ، بدايةً، أن أتعلم الطباعة الصحيحة على الحاسوب لأتشجع للكتابة. لكي تأخذ أسطرا مثل هذه زمنها الطبيعي في الكتابة وليس ضعفيّ ما يستغرقه الآخرون في كتابتها. لعل الطباعة الصحيحة ستجعلني أكتب رواية (وماذا ستفعل رواية في مجتمع متخلف سوى أن ترسل صاحبها إلى المتاعب والتهلكة وربما غياهب السجون؟). عليّ أن أنظم حياتي وأعتمد أربعين دقيقة يوميا للمشي، فهذا سيفقأ عينيّ السكري—عدوي الأول. عليّ أن أنجح في التوقف عن تناول مدخَلات السكر والنشويات، وهو أمر أنجح فيه دائما كلما بدأته، لكنني لا أستمر طويلا. وعليّ قبل كل شيء، إذا أمكن الأمر، أن أجدا متعا أخرى غير مكلفة لتزجية الوقت، بديلا عن عاداتي الحالية المكلفة في الاستمتاع وتزجية الوقت. ولكن هل ذي البلد فيها شي الواحد يسوّيه؟

عليّ العودة للقراءة. هذا مهم للغاية. مؤكد أن فيها سلوى ومعرفة وفائدة. المهم تنظيم عناصر الحياة اليومية الأخرى حتى يمكن أن تتحقق فرصة القراءة. إنه لمن الحزن أن أقتني الكتب من معرض الكتاب سنويا ويأتي معرض جديد وأنا لم أفتحها بعد.

أظن أنني أريد حقا أن أفعل شيئا لصالح تغيير الحال الواقع إلى الأفضل. أعرف أني أريد التغيير بدلالة أني قاعد الآن أكتب هذه الأسطر. إنني أفكر مع نفسي الآن. أفكر بصوت عالٍ (رغم صمتي). على الأقل أنا أفكر. وأنا أفكر، إذن أنا موجود! ويا ليتني لم أكن موجودا!